t
راكان كِنا

كيف تغير سوق القطط في السعودية؟ من زمن القط الشيرازي إلى عصر الإنقاذ

كيف تغير سوق القطط في السعودية؟ من زمن القط الشيرازي إلى عصر الإنقاذ

من عاصر سوق القطط في المملكة قبل عقد من الزمان، يعرف جيداً كيف كان هذا العالم بسيطاً ومحصوراً في زاوية ضيقة، أتذكر بدقة تلك السنوات وتحديداً قرابة عام 2012، حين كانت كلمة "قطة منزلية" في أذهان الغالبية تعني شيئاً واحداً فقط: القط الشيرازي الأبيض بفروه الكثيف، المربوط بزيارة تقليدية لمحلات الحيوانات الأليفة. لم يكن المربي وقتها يعرف شيئاً عن شهادات السلالة (Pedigree) أو الفروق الدقيقة بين الأنواع.

لكن خلف الكواليس، كان هناك بركان اقتصادي وثقافي يوشك على الانفجار!، بصفتي مواكباً ومتابعاً لتفاصيل هذا السوق وتغيرات القوة الشرائية فيه، شهدت بأم عيني كيف تحول هذا الشغف البسيط من مجرد هواية محلية، إلى تجارة دولية تدار عبر منصات التواصل الاجتماعي لتغير ذوق المستهلك في السعودية وتجبر الجهات الحكومية على التدخل لإعادة ضبط المشهد بالكامل.

زمن الأبيض والأسود: عندما كان الشيرازي ملك العرش في المحلات التقليدية (عصر ما قبل 2012)

في ذلك الوقت، كان مشهد اقتناء القطط في السعودية يغلب عليه البساطة وغياب الخيارات، إذا قررت عائلة أو هاوٍ شراء قطة، فإن الوجهة الوحيدة كانت "محلات الحيوانات التقليدية" المنتشرة في أسواق المدن الكبرى، كانت هذه المحلات تفتقر لخيارات السلالات، وتعرض القطط في أقفاص حديدية دون أدنى اهتمام بالتاريخ الوراثي للحيوان.

كيف تغير سوق القطط في السعودية؟ من زمن القط الشيرازي إلى عصر الإنقاذ

تربع القط الشيرازي (الفارسي) والتركي التقليدي على عرش المبيعات بلا منازع لدرجة أن المجتمع أصبح يربط "جمالية القط" بطول شعره وكثافته فقط، تخيلت معي؟ بطول شعره وكثافته لا غير!، كان الوعي الصحي والوراثي شبه منعدم؛ فلا المشتري يسأل عن شهادة تطعيمات ولا البائع يملك توثيقاً يثبت نَقاوة السلالة، كان امتلاك قط بمواصفات عالمية رفاهية غائبة، حتى فتحت التكنولوجيا والمواقع الرقمية باباً لم يكن في الحسبان.

ثورة الإنستقرام: كيف حوّل الوسطاء مزارع روسيا وأوكرانيا إلى صالات عرض في بيوتنا؟

مع نهاية عام 2014 وبداية 2015 حدث الانفجار الكبير الذي غيّر ملامح السوق إلى الأبد، لم يعد الهاوٍ مجبراً على قبول خيارات المحلات التقليدية المحدودة؛ فقد دخلت منصة إنستقرام كقوة مؤثرة غيّرت قواعد السوق، وتحولت من منصة لمشاركة الصور إلى أكبر سوق مفتوح وعابر للقارات لبيع الحيوانات الأليفة في المملكة.

في هذه الفترة، اكتشف وسطاء وتجار القطط الكنز الكامن في دول شرق أوروبا وتحديداً روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، كانت هذه الدول تضم آلاف مزارع الإنتاج المحترفة (Catteries) المسجلة في المنظمات العالمية مثل (WCF) و(CFA)، تميزت هذه المزارع بتقديم سلالات نقية جداً وفاخرة بأسعار رخيصة للغاية مقارنة بأوروبا الغربية، مستفيدة من انخفاض تكاليف المعيشة وفارق العملة هناك.

بدأ وسطاء الإنستقرام يعرضون صوراً وفيديوهات لقطط لم يألفها الشارع السعودي من قبل؛ فظهر السكوتش فولد بأذنيه المطويتين اللطيفتين، والبريتش بجسمه الممتلئ وفروه المخملي الرمادي (البلو)، تحولت حسابات الإنستقرام إلى صالات عرض جذابة، حيث يختار المشتري قطته من المزرعة الروسية عبر الفيديو، ويتكفل الوسيط بكافة إجراءات الشحن الجوي عبر خطوط الطيران، لتصل القطة مباشرة إلى مطارات المملكة مع جواز سفرها الدولي وشهادة التطعيمات وشهادة النقاء (Pedigree)، هذا الشحن المباشر والسهل فتح الباب على مصراعيه لتحول الهواية إلى تجارة جملة عشوائية.

وبحكم عملي تلك السنوات في نقل القطط داخل جدة أو من جدة الى المدن الرئيسية، كنت أتعامل بشكل متكرر مع الوسطاء والمستوردين، واستقبل القطط فور وصولها إلى جدة قادمة من الدول المصدرة.

في ذلك الوقت كنت أشاهد عن قرب سلالات لم تكن مألوفة لدى معظم المربين، قطط بمستويات عالية من الجودة والجمال، وأدركت لاحقًا أن السوق كان يشهد تحولًا كبيرًا من هيمنة الأنواع التقليدية إلى الاهتمام بالسلالات المستوردة من مزارع متخصصة حول العالم.

كنت أعتقد حينها أن هذه القطط مخصصة فقط لفئة صغيرة من الهواة الشغوفين، لكن مع مرور الوقت اتضح أن الطلب عليها كان يتوسع عامًا بعد عام، حتى أصبحت جزءًا بارزًا من مشهد تربية القطط في المملكة.

من الهواية إلى "تجارة الشنطة": طفرة السلالات الفاخرة وانفجار سوق السكوتش والبريتش

انقاذ القطط في السعودية السكوتش والبريتش

مع التدفق الهائل للقطط المستوردة، تحولت الهواية سريعاً في الفترة بين 2016 و2019 إلى ما يشبه الذهب المكتشف، لم يعد الأمر مقتصراً على وسطاء يجلبون قطة أو قطتين بطلب شخصي، بل تحول هواة ومربين إلى "تجار شنطة" ومستوردين بالكميات والجملة، كان الحافز وراء ذلك هو ارتفاع هوامش الربح؛ حيث كان الوسيط يشتري قطة السكوتش أو البريتش من المزارع الروسية والأوكرانية بأسعار تتراوح بين 1500 إلى 2500 ريال شاملة الشحن، ليعيد بيعها في السوق السعودي بأسعار فلكية تبدأ من 5000 وتصل أحياناً إلى 9000 ريال وأكثر للسلالات النادرة أو الألوان المميزة مثل الذهبي والفضي (Gold) و(Silver).

هذا الفارق الربحي الضخم أغرى الكثيرين بفتح غرف إنتاج داخل منازلهم، وبدأ "إنتاج الظل" العشوائي بالانتشار، تحول الهدف من اقتناء حيوان أليف ورفيق منزلي إلى ما يشبه "آلة لتوليد المال"، أصبح الجميع يبحث عن قطط بـ مواصفات إنتاجية عالية، واندفعت الأسر والأفراد نحو شراء أزواج من السكوتش والبريتش لغرض التزاوج والبيع الفوري، هذا الانفجار التجاري العشوائي خلق سوقاً موازياً ضخماً يدار بالكامل خلف الشاشات وبعيداً عن أي رقابة صحية أو تجارية، مما جعل اصطدام هذا القطاع بجدار التنظيم الحكومي مسألة وقت لا غير.

مطرقة "وزارة الزراعة": قرار القطتين الذي هزّ عرش تجار الإنستقرام وأعاد ترتيب الأوراق

أمام هذا الانفجار العشوائي والتجارة الموازية التي تدار تحت غطاء "الاستيراد الشخصي"، كان لا بد للجهات التنظيمية من التدخل لحماية الصحة العامة وضبط السوق، وفي عام 2021 أصدرت وزارة البيئة والمياه والزراعة صدمتها التنظيمية الكبرى التي غيرت قواعد اللعبة بالكامل وأنهت عصر الفوضى.

أطلقت الوزارة تنظيماً صارماً عبر منصة أنعام بلس ( منصة نما الإلكترونية حالياً )، حددت فيه سقف الاستيراد للأفراد تحت بند "حيوان رفقة شخصي" بـ قطتين فقط في السنة لكل مواطن أو مقيم، هذا القرار لم يكن مجرد إجراء ورقي بل ارتبط مباشرة بأنظمة الجمارك والمنافذ الحدودية، ولم يعد بإمكان تجار الإنستقرام جلب عشرات القطط في الشحنة الواحدة بأسماء مستعارة أو وثائق شخصية مجزأة.

قضى هذا القرار على ظاهرة "تجار الشنطة"؛ فالحصول على إذن استيراد لأكثر من قطتين أصبح يتطلب استخراج سجل تجاري بنشاط استيراد حيوانات حية، وتوفير محاجر صحية معتمدة، وشهادات بيطرية مصدقة ومطابقة لقانون الحجر البيطري لدول مجلس التعاون الخليجي. 

تسبب هذا التقنين الصارم في جفاف خطوط الإمداد العشوائية من شرق أوروبا، وارتفعت تكاليف الاستيراد النظامي بشكل حاد مما تسبب في ارتداد الأزمة إلى الداخل لتظهر الفاتورة الحقيقية لهذا التضخم في بيوتنا وشوارعنا للأسف.

من غرف الإنتاج إلى الشوارع: القصة التي لم يتحدث عنها أحد

كيف تغير سوق القطط في السعودية؟ من زمن القط الشيرازي إلى عصر الإنقاذ

لم تكن الطفرة الاقتصادية لسوق القطط بدون ثمن، بل خلّفت وراءها أزمة إنسانية وبيئية خانقة نعيش تفاصيلها اليوم في شوارعنا ومجموعات الإنقاذ، فمع سهولة الاستيراد في السنوات الماضية وتحول القطط إلى سلعة مربحة، اندفعت موجة عشوائية من الإنتاج المنزلي والتجاري دون أدنى وعي بمسؤولية الرعاية أو قدرة السوق المستقبلي على الاستيعاب.

النتيجة الصادمة كانت انفجاراً في أعداد القطط، يقابله تراجع في شغف المربين أو رغبتهم في التخلص منها عند أول عارض صحي أو تكلفة مادية. اليوم، تشهد منصات التواصل وفرق الإنقاذ في المملكة حالات رمي جماعي لسلالات فاخرة مثل السكوتش والبريتش والبيرشن في الشوارع؛ قطط رقيقة لم تعتد يوماً على قسوة البيئة الخارجية، ولا تملك غريزة البقاء لمواجهة السيارات أو حرارة الصيف الحارقة، مما جعلها عرضة للموت البطيء والأمراض الفيروسية الفتاكة.

هذا الواقع المؤلم يضعنا أمام حقيقة مهمة: التعقيم لم يعد مجرد خيار ثانوي في كثير من الحالات، بل أصبح أحد الأدوات الفعالة للحد من التكاثر غير المخطط له وتقليل أعداد القطط التي تنتهي في الشوارع أو مراكز الإنقاذ.

إن استمرار الإنتاج دون خطة واضحة للإيواء أو التبني أو البيع المسؤول يسهم بشكل مباشر في زيادة الضغط على المنقذين والملاجئ والحالات المحتاجة للرعاية، ومن هذا المنطلق جاءت القرارات التنظيمية الأخيرة لتعزيز مفهوم المسؤولية والحد من الممارسات العشوائية التي أضرت بالحيوانات وبالقطاع ككل.

ومع ذلك، نأمل مستقبلاً في تطوير حلول إضافية ومتكاملة إلى جانب التعقيم، مثل رفع الوعي بمسؤولية التبني، وتنظيم برامج التربية والإنتاج، وتحسين أنظمة التسجيل والتتبع، وتشجيع الاحتضان والتبني المسؤول، بما يحقق التوازن بين الرفق بالحيوان واستدامة القطاع على المدى الطويل.

منصات الإنقاذ الذكية.. كيف تُصلح التكنولوجيا ما أفسده تجار الانستقرام؟ ( تجربتي في كِنا )

بعد سنوات من العمل في هذا القطاع ومشاهدتي للتحولات التي مر بها السوق، ثم ازدياد حالات الإنقاذ والتخلي عن القطط، أدركت أن التحدي لم يكن في غياب المتبرعين أو المنقذين أو العيادات البيطرية، بل في غياب جهة تنظم العلاقة بينهم وتسرّع وصول المساعدة للحالات المحتاجة.

من هنا وُلدت فكرة كِنا؛ مشروع يهدف إلى حوكمة عمليات الإنقاذ وتعزيز الشفافية وحماية المتبرعين، من خلال ربط المنقذين بالعيادات والجهات الداعمة ضمن منظومة أكثر وضوحاً وتنظيماً.

إذا كنت مهتمًا بمتابعة مستجدات مشروع كِنا والتحديثات القادمة، يمكنك الانضمام إلى مجتمع كِنا على الواتساب. كما أدعوك للاشتراك في مدونة قطامين عبر البريد الإلكتروني ليصلك كل جديد من المقالات والدراسات والتحديثات الحصرية فور نشرها.

شكرًا لقراءتك، وأتمنى أن تكون هذه الرحلة قد منحتك صورة أوضح عن الماضي، وفهمًا أعمق للحاضر، وأملًا بمستقبل أفضل لقطاع القطط والرفق بالحيوان في المملكة.

أضف تعليق... send
comment url

مقالات قد تهمك